نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
50
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
مع جاريتك ما ذا كنت تفعل ؟ فغضب الملك فقال يا فاجر أتجترئ عليّ بمثل هذا ، فقال له العابد إن لي ربا كريما لو رأى مني سبعين ذنبا في اليوم ما غضب عليّ ولا طردني عن بابه ولا أحرمني رزقه ، فكيف أفارق بابه وألزم باب من يغضب عليّ قبل أن أغضبه ، فكيف لو رأيتني في المعصية ثم خرج . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : الذنب على وجهين : ذنب فيما بينك وبين اللّه تعالى ، وذنب فيما بينك وبين العباد . أما الذنب الذي بينك وبين اللّه تعالى فتوبته الاستغفار باللسان والندم بالقلب والإضمار أن لا تعود فإن فعل ذلك لا يبرح من مكانه حتى يغفر اللّه له إلا أن يترك شيئا من الفرائض فلا تنفعه التوبة ما لم يقض ما فاته ثم يندم ويستغفر ، وأما الذنب الذي بينك وبين العباد فما لم ترضهم لا تنفعك التوبة حتى يحللوك . وروي عن بعض التابعين رضي اللّه تعالى عنهم أنه قال : إن المذنب يذنب فلا يزال نادما مستغفرا حتى يدخل الجنة فيقول الشيطان يا ليتني لم أوقعه فيه . وذكر عن أبي بكر الواسطي أنه قال : التأني في كل شيء حسن إلا في ثلاث خصال : عند وقت الصلاة ، وعند دفن الميت ، والتوبة عند المعصية : وقال بعض الحكماء : إنما تعرف توبة الرجل في أربعة أشياء . أحدها : أن يمسك لسانه من الفضول والغيبة والكذب . والثاني أن لا يرى لأحد في قلبه حسدا ولا عداوة . والثالث أن يفارق أصحاب السوء . والرابع أن يكون مستعدا للموت نادما مستغفرا لما سلف من ذنوبه مجتهدا على طاعة ربه . وقيل لبعض الحكماء هل للتائب من علامة يعرف أنه قبلت توبته ؟ قال : نعم علامته أربعة أشياء . أوّلها : أن ينقطع عن أصحاب السوء ويريهم هيبة من نفسه ويخالط الصالحين . والثاني : أن يكون منقطعا عن كل ذنب ومقبلا على جميع الطاعات . والثالث : أن يذهب فرح الدنيا كلها من قلبه ويرى حزن الآخرة كلها دائما في قلبه . والرابع : أن يرى نفسه فارغا عما ضمن اللّه تعالى له من الرزق مشتغلا بما أمر به فإذا وجدت فيه هذه العلامات فهو من الذين قال اللّه تعالى في حقهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ووجب له على الناس أربعة أشياء : أوّلها أن يحبوه فإن اللّه تعالى قد أحبه . والثاني أن يحفظوه بالدعاء على أن يثبته اللّه على التوبة . والثالث أن لا يعيروه بما سلف من ذنوبه . والرابع أن يجالسوه ويذاكروه ويعينوه . ويكرمه اللّه تعالى بأربع كرامات : أحدها أن يخرجه اللّه تعالى من الذنوب كأنه لم يذنب قط . والثاني أن يحبه اللّه تعالى . والثالث أن لا يسلط عليه الشيطان ويحفظه منه . والرابع أن يؤمنه من الخوف قبل أن يخرج من الدنيا لأنه عز وجل قال تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . وروي عن خالد بن معدان أنه قال : إذا دخل التوابون الجنة قالوا ألم يعدنا ربنا أن نرد النار قبل أن ندخل الجنة ؟ قيل لهم إنكم مررتم بها وهي خامدة . وروى الحسن عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أنه رجم امرأة زنت ثم صلى عليها ، فقال له بعض الصحابة يا رسول اللّه رجمتها وصليت عليها ؟ فقال لقد تابت توبة لو فعلت مثل ذلك سبعين مرة تاب اللّه